خليل الصفدي

341

أعيان العصر وأعوان النصر

وكان متين الديانة ، متوشّحا بالصيانة ، معروفا بالعفة والأمانة ، وكان يلازم تلاوة القرآن ، لا يخل بذلك في وقت ولا أوان ، يقرأ القصص ، وإذا فرغ منها عاد إلى التلاوة على الراتب ، وإذا مر بآية سجدة دار إلى القبلة وسجد ، وظهره إلى النائب ، وتبرّم منه النائب وشكاه ، وذكر للسلطان وغيره وحكاه ، فما رجع عن عادته ، ولا ترك ذلك من سعادته . ولم يزل على حاله إلى أن سكن نبضه ، وبطل من بيت المال قبضه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في التاريخ المذكور . أخبرني شيخنا الحافظ أبو الفتح بن سيد الناس قال : كان القاضي شرف الدين قد توجّه صحبة السلطان إلى غزوة ، فرأيته في المنام كأنه منصرف عن الواقعة ، وقد نصر اللّه المسلمين فيها على التتار ، فأخبرني بما فتح اللّه به ، فنظمت في المنام بيتين ، واستيقظت ذاكرا للأول منهما : ( البسيط ) الحمد للّه جاء النّصر والظّفر * واستبشر النّيّران : الشّمس والقمر فكتبت إليه أعلمه بذلك ، فكتب إليّ الجواب عن ذلك : ( الطويل ) أيا فاضلا تلهي معاني صفاته * فكلّ بليغ فاضل من رواته ومن يستبين الفهم من لحظاته * له أمره بالرّشد في يقظاته وفي النّوم يهديه لخير الطّرائق * ومن قربه غايات كلّ فضيلة وأشطره تزهى بزهر خميلة * وجملته في النّاس أيّ جميلة فإن قام لم يدأب لغير فضيلة * وإن نام لم يدأب لغير الحقائق يقبّل اليد العالية الفتحية ، فتح اللّه أبواب الجنة بها ولها ، وأسعد خاطره الّذي ما اشتغل عن الصواب ولا لها ، ومشتهى خلقه الذي لا أعرف لحسنه مشبها تقبيل مشتاق إلى روايته ورؤيته ، ونتائج بديهته ورويته ، كتعطش إلى روائه وإروائه ، والتيمن بعالي آرائه ، والتحلّي به في هذه السفرة المسفرة - بمشيئة اللّه تعالى - عن الفلاح والنجاح ، والغزوة التي لها الملائكة الكرام النجدة والرايات النبوية السلاح ، والحركة التي أخلص المسلمون للّه - تعالى - رواحهم وغدوهم ، وتعلقت آمالهم بأنه سبحانه وتعالى يهلك عدوهم ، فإنهم قد بغوا ، والبغي وخيم المصرع ، وابتغوا الفتنة ، والفتنة لمثيرها تصرع ، وقد تكفّل اللّه - تعالى - بالملّة المحمّدية أن يديل دولتها ، وأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن اللّه لا يسلط على هذه الأمة من يستبيح بيضتها ، فلهذا ما أمضينا في السهر ليلا ، ولا أنضينا في السفر خيلا ، ولا رجونا إلا أن نحمد السرى عند الصباح ، وكدنا أن نطير إلى الهيجاء زرافات ووحدانا بغير جناح